ديما السويدي – الدوحة
تحولت قرية إرثنا في مشيرب إلى مساحة حيوية جمعت بين التوعية البيئية والمشاركة المجتمعية، وقدمت نموذجاً عملياً لكيفية تقريب مفاهيم الاستدامة من الجمهور عبر أنشطة تفاعلية ومشروعات طلابية تحمل أفكاراً بسيطة في شكلها، لكنها عميقة في أثرها ورسائلها وخلال فعاليات قمة إرثنا، بدت القرية وكأنها منصة مفتوحة يلتقي فيها التعليم بالمجتمع، وتتحول فيها قضايا البيئة من موضوعات نظرية إلى تجارب ملموسة يشارك فيها الطلاب والزوار والمعلمون والأسر.
وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً لمشروعات طلابية مبتكرة ركزت على الاستدامة وإعادة التدوير، حيث عرض عدد من طلاب مدارس التعليم ما قبل الجامعي نماذج عملية صُممت باستخدام مواد معاد استخدامها، في خطوة عكست نجاح المدرسة في تحويل الوعي البيئي إلى ممارسة يومية وإبداع تطبيقي ولم تكن هذه المشاركات مجرد أعمال مدرسية عابرة، بل جسدت قدرة الطلاب على تقديم أفكار ترتبط بحياتهم اليومية وتخاطب المجتمع بلغة بسيطة وقريبة.
وبرزت مشروعات طلاب من مدارس مختلفة داخل مؤسسة قطر، من بينها أعمال اعتمدت على إعادة تدوير المواد وتحويلها إلى أدوات أو نماذج ذات فائدة، بما يرسخ مفهوم تقليل الهدر وإعادة الاستخدام كما حضرت مبادرات أخرى حملت طابعاً بيئياً وتوعوياً، مثل تسليط الضوء على أهمية النحل ودوره الحيوي في التوازن البيئي، وهو ما أضفى على الفعالية بعداً تعليمياً يربط بين البيئة الطبيعية والمعرفة المبكرة لدى الأطفال.
وأعطت مشاركة الطلاب للقرية طابعاً مختلفاً، إذ لم يكن الطلاب مجرد زوار، بل كانوا جزءاً من الرسالة نفسها فقد قدموا أفكارهم أمام الجمهور، وشرحوا مشروعاتهم، وتحدثوا عن أهمية الحفاظ على الموارد وإعادة الاستخدام بأسلوب عفوي وواضح، الأمر الذي أظهر كيف يمكن لغرس مفاهيم الاستدامة في سن مبكرة أن ينعكس على شخصية الطالب وثقته بنفسه وقدرته على التعبير والتفاعل.
كما كشفت هذه التجربة عن دور الأسرة والمدرسة في بناء هذا النوع من الوعي فالمساندة التي يتلقاها الطالب من معلميه وذويه لا تصنع مشروعاً ناجحاً فقط، بل تخلق لديه إحساساً بالمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع ومن هنا، بدت قرية إرثنا أكثر من مجرد موقع لاستضافة الأنشطة؛ إذ أصبحت فضاءً يبرز أثر الشراكة بين البيت والمدرسة والمؤسسة التعليمية في تكوين جيل يرى في الاستدامة قيمة عملية لا مفهوماً مجرداً.
ومن الجوانب المهمة التي أظهرتها الفعالية أن الاستدامة يمكن أن تبدأ من تفاصيل صغيرة في حياة الطالب، مثل تقليل الهدر، وإعادة تدوير الورق والملابس، والحفاظ على الماء والغذاء، ثم تتطور هذه الممارسات تدريجياً لتصبح جزءاً من السلوك اليومي وهذا ما منح المعرض المجتمعي داخل القرية بعداً تربوياً واضحاً، لأنه لم يكتف بعرض المنتجات أو الأفكار، بل قدم رسالة أوسع مفادها أن التربية على الاستدامة تبدأ من المدرسة، لكنها تنمو حين تجد مساحة للعرض والمناقشة والتشجيع.
وبهذا المعنى نجحت قرية إرثنا في مشيرب في أن تكون مساحة مفتوحة للحوار المجتمعي حول الاستدامة، ليس فقط عبر الندوات أو الرسائل العامة، بل من خلال منح الطلاب فرصة حقيقية ليكونوا جزءاً من هذا الحوار فحين يعرض الطفل مشروعه البيئي أمام الزوار، ويشرح فكرته، ويعبر عن وعيه بأهمية حماية البيئة، فإن الاستدامة تتحول من مفهوم نظري إلى مشهد حي يعكس أثر التعليم والمبادرات المجتمعية معاً.
